محمد بن جرير الطبري

253

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

* ( ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ) * . يقول تعالى ذكره : مثل الله مثلا للكافر بالله الذي يعبد آلهة شتى ، ويطيع جماعة من الشياطين ، والمؤمن الذي لا يعبد إلا الله الواحد ، يقول تعالى ذكره : ضرب الله مثلا لهذا الكافر رجلا فيه شركاء . يقول : هو بين جماعة مالكين متشاكسين ، يعني مختلفين متنازعين ، سيئة أخلاقهم ، من قولهم : رجل شكس : إذا كان سيئ الخلق ، وكل واحد منهم يستخدمه بقدر نصيبه وملكه فيه ، ورجلا سلما لرجل ، يقول : ورجلا خلوصا لرجل يعني المؤمن الموحد الذي أخلص عبادته لله ، لا يعبد غيره ولا يدين لشئ سواه بالربوبية . واختلفت القراء في قراءة قوله : ورجلا سلما فقرأ ذلك بعض قراء أهل مكة والبصرة : ورجلا سالما وتأولوه بمعنى : رجلا خالصا لرجل . وقد روي ذلك أيضا عن ابن عباس . 23199 حدثنا أحمد بن يوسف ، قال : ثنا القاسم ، قال : ثنا حجاج ، عن هارون ، عن جرير بن حازم ، عن حميد ، عن مجاهد ، عن ابن عباس أنه قرأها : سالما لرجل يعني بالألف ، وقال : ليس فيه لاحد شئ . وقرأ ذلك عامة قراء المدينة والكوفة : ورجلا سلما لرجل بمعنى : صلحا . والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان ، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء ، متقاربتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب وذلك أن السلم مصدر من قول القائل : سليم فلان لله سلما بمعنى : خلص له خلوصا ، تقول العرب : ربح فلان في تجارته ربحا وربحا ، وسلم سلما وسلما وسلامة ، وأن السالم من صفة الرجل ، وسلم مصدر من ذلك . وأما الذي توهمه من رغب من قراءة ذلك سلما من أن معناه صلحا ، فلا وجه للصلح في هذا الموضع ، لان الذي تقدم من صفة الآخر ، إنما تقدم بالخبر عن اشتراك جماعة فيه دون الخبر عن حربه بشئ من الأشياء ، فالواجب أن يكون الخبر عن مخالفه بخلوصه لواحد لا شريك له ، ولا موضع للخبر عن الحرب والصلح في هذا الموضع وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 23200 حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى وحدثني